آراء أخرى

مفيد فوزي يكتب حفيدى شريف.. تعالَ!

نشر الكاتب الكبير مفيد فوزي مقالاً بجريدة المصري اليوم كان نصه كالتالي :

لم يعد حفيدى الجميل «شريف حليم» طفلاً! صار صبياً يحمل كل علامات الرجولة، صوته «اخشوشن» وشاربه الأخضر بدأ نبته وصار يحلق ذقنه ويتعطر، وصار له جواز سفر ويسافر وحده!. لا أنسى ذكريات طفولته، فعندما جاء إلى الدنيا كانت فرحتى بسعة الأفق، لقد منحنى رتبة «جدو»، ومن قبل منحتنى حنان لقب «أب» وعندما كان شريف فى اللفة، كنت أستعجل الأيام ليكبر ونصير أصدقاء، وعندما يخذلنى جسدى أستطيع أن أتكئ عليه.

 

وأذكر فى إحدى مقدمات كتاب لى أنها كانت موجهة لشريف، أستعجل السنين ليقرأ ما أكتب وربما يزهو بى بين أصدقائه، وحين كان طفلاً كنت أسحبه إلى النادى ونمضى الساعات حتى تأتى حنان ويجلس بجوارها فى سيارتها الأولى، فأشعر بافتقاده، اعتدنا شريف وأنا أن نتكلم وعندما كان ينطق كلمة «جدو» كان لها رنين خاص لا يشعر به إلا من ذاق طعم الأحفاد.

أتذكر حين ذهب شريف إلى المدرسة، كنت أحضر باهتمام حفلات نهاية العام، وأفرح عندما يظهر على مسرح المدرسة وتطارده حنان بالتصوير فيهرب منها، وعندما بدأ مع مدرب الكرة فى النادى يحضر بانتظام فوجئت به يحفظ عن ظهر قلب أسماء أشهر نجوم الكرة فى العالم وهو ما أجهله أنا تماماً، بعد قليل هجر الملعب والتدريب وصار مستقلاً بنفسه وصار لحفيدى شريف آراء وأصبح له «ذوق» فى كل شىء، وبدأت أعتاد «انتماءاته» الجديدة لأصدقائه وانسلاله من يدى، كنت أغار من شلته ثم بدأت أتعود ذلك، وحين سافر خارج مصر ليدرس إدارة الأعمال مثل والده حليم رمزى، رجل الأعمال المحاسب، بدأت أقلق عليه وأخفى قلقى عن أمه القلوقة، ولكنى اكتشفت صفات جديدة فى هذا الجيل لم نعرفها، أهمها الإرادة والاعتماد على النفس وحل المشكلات بذهن صاف، فكنت أخفى إعجابى وأندهش من سمات شخصية الشباب الجديد. أنا مثلاً لا أسافر إلى أى بلد دون أن يكون لى صديق هناك ولا أتحمس للسفر لبلد لا أعرف فيه أحدا، لكن شريف من جيل مختلف، خاطب جامعات فى العالم واستقر على جامعة فى إسبانيا، كيف وهو لا يعرف اللغة الإسبانية؟.

قرر السفر والإقامة والدراسة وتعلم اللغة الإسبانية! نعم تلك هى سمات الجيل الجديد الأكثر جرأة منا، الأكثر إقداماً وترحيباً بالجديد والأكثر تطوراً والأكثر صداقة لتكنولوجيا العصر. انشغل شريف بدراسته وبأصدقاء جده فى مصر والخارج. صار تليفونه يضم أسماء عشرات الأصدقاء والصديقات، وفى غمار هذه الحياة الجديدة نسى «جدو» وأيام جدو وأخذته حياته الجديدة حتى من والده ووالدته وأقاربه!.

ما عاد شريف حفيدى الجميل يتصل بى، فلعل رغبتى الحارقة فى اتصاله بى هى من رومانسيات زمن مضى، لكن شريف لم يفقد أبداً رومانسيته، مرة مرضت ولزمت الفراش وجاء يزورنى وعندما رآنى أتألم لمحته يمسح دموعه، لكنه أيضاً يتعامل مع الحياة بالكثير من «العملية»، عرفت من حنان أنه قادم ذات ليلة من السفر، فقلت لها منتفضاً: الوقت زحف فمتى تذهبين للمطار لاستقباله؟ وبهدوء ردت حنان كأنها تلقننى درساً، إذ قالت: شريف يستقبله فى المطار عشرات من أصدقائه يعلمون بموعد وصوله فلا تقلق عليه. فلما قلت لها: أتصل بأى شخص فى المطار يساعده، قالت بطاقة روحانية كبيرة: يسوع المسيح معاه، فكان صمتى كبيراً، ثم أردفت حنان: شريف اتغير يا والدى، جيل مختلف جيل منتم لصداقاته أكثر من انتمائه للأدبيات اللى حضرتك اتعودت عليها.

لقد أعد حقيبة سفره وحده وذهب لمطار أوروبى وحده ودخل المطار ومعه حقائبه وركب الطائرة وحين وصل يعرف طابور إجراءات العودة ويلتقط وحده حقائب السفر ثم يخرج إلى أصدقاء مصر الذين يستقبلونه بأذرع مفتوحة وأشواق هائلة، قلت لها: كنا أنا وهو على سفر فى وقت واحد واستأذن منى ليفطر وانتزع إعجابى، ذلك أنى كنت أعتمد على صديقى وقريبى عماد العمدة حين دخلت المطار علماً أن وجهى يغرى كثيرين بخدمتى، ويبدو أن شريف اكتسب ثقة بالنفس، وصار الأصدقاء هم «عائلته الجديدة» إن صح التعبير.

إننى أحياناً أتواصل معه فى إسبانيا وحظى من السما إذا رد وسمعت صوته فهو لا يتكلم كثيراً، ازيك يا جدو، عامل إيه؟ كويس؟ يارب دايماً، ثم تنتهى المكالمة. فكرت كثيراً أن أدعوه إلى مقهى يحبه وقلت له تعال.. ولكن أصدقاءه استولوا عليه! كنت أريد أن أسمع مشاكله فى خارج مصر، فلما تكلمنا، لم يقل شيئاً.. واكتشفت أنى من جيل «شكاء.. بكاء»، أما الجيل الجديد فلا يشكو ولا يبكى، إنه يواجه ويستخدم عقله، حاولت زرع صداقة بينه وبين عائلات سفراء مصريين يعيشون فى إسبانيا، فلم يتحمس، يريد «المواجهة» بنفسه والتعلم من الخطأ.

ورغم أنى كاتب مصرى وابنتى حنان كاتبة صحفية لها أسلوب خاص لافت للنظر وهى مذيعة تليفزيون العقل وأهم أدواتها التزود بالمعارف فى إطار من الاحترام وخفة الظل، فإن حفيدى يتعامل أكثر باللغة الإنجليزية ومواظب على اقتحام اللغة الإسبانية.

قلت مرة لحنان: أريد أن أرى شريف وهو يتكلم مع أصحابه! قالت: سترى وجهاً آخر، الانطلاق، الحكى، التعليقات، باختصار شخصية أخرى، ولعلمك نحن لا نرى شريف ساعات طويلة، إنها مجرد دقائق، والوقت الآخر من نصيب «الشلة» التى تصغى له فى حكايات الغربة!. قلت لشريف مرة: كنت فاكر أول ما توصل تليفون لجدو حبيبك، فضحك ربما ليفضح رومانسيتى وزمنى الذى كان، فهو يسمع غير ما نسمع أو ما يضحكه مختلف، باختصار، جيل له مفرداته ولابد من احترامها تحاشياً للصدام، فى لحظة ما طلعت فى دماغ شريف حليم وابن عمته ديفيد أشرف حارس أن يدخلا عالم الصحافة وقررا عمل مجلة بجهد ذاتى بهرتنى فى البداية ولكنهما تخليا عن الحلم وعا ديفيد لدراسة الطب فى أمريكا وعاد شريف لدراسة إدارة الأعمال فى إسبانيا، إنه جيل لا تستطيع أن تتنبأ بخطواته القادمة وخلقوا لزمان غير زماننا، وبهذا الفهم «تطبعت» مع عادات حفيدى ولم أعد أحاسبه بمقاييس زمنى ولا أفرط فى رومانسيتى فهو جيل عملى قليل الدموع كثير التحديات.

زر الذهاب إلى الأعلى