تحقيقات و تقارير

ملف خاص ..( السودان – إثيوبيا ) : ملفات شائكة بالاتجاه الاستراتيجي الجنوبي والعمق الأفريقي

  • من جديد فرضت استقالة رئيس الوزراء الإثيوبي ” ديسالين ” يوم (15) فبراير الجاري نوع من التوتر والاضطراب على ملف مفاوضات سد النهضة المتعثر في الأساس ، لما لذلك من تأثير مباشر على سير مجريات أحد أهم ملفات الأمن القومي المصري ، أمن مصر المائي وحياة ملايين المصريين ، ورغم مزاعم ” ديسالين ” نفسه من تلك الاستقالة بدعوى تسهيل إجراء إصلاحات بعد فترة من الاضطرابات الواسعة التي شهدتها إثيوبيا بسبب المواجهات الدامية بين متظاهرين من الأورومو وقوات الأمن هناك ، إلا أن تداعيات استقالته ، يبدو أنها لن تؤثر على الوضع العام في الداخل حتى الآن ، وخاصة في ظل المعطيات الحالية ، باعتبار أن السياسات الخارجية للحزب الحاكم تسير على نفس الخط حتى في عدم وجود ” ديسالين ” نفسه ، والذي سيستمر في منصبه حتى اختيار آخر خلفاً له .

خطورة الموقف

  • التأثير المباشر للاستقالة على ملف سد النهضة في ظل المماطلة المعتادة من الجانب الإثيوبي ، جاء في الإعلان عن تأجيل اجتماعاً كان سيعقد يومي ٢٤و ٢٥ فبراير الجاري بالخرطوم ، بمشاركة وزراء الخارجية والمياه ، ورؤساء أجهزة المخابرات في مصر وإثيوبيا والسودان لبحث أزمة سد النهضة ، حيث تقرر تأجيله لموعد لاحق يتم التوافق عليه بين الدول الثلاث ، بدعوى ظروف إثيوبيا الداخلية ، ورغم واقعية قدوم رئيس وزراء إثيوبيا لينفذ نفس سياسات الائتلاف الحاكم ، إلا أن تأجيل الاجتماع سيساعد على زيادة تأخر الاتفاق والتوافق حول الشواغل المصرية بشأن إدارة السد ، كما أن الاستقالة ذريعة أخرى لاستمرار الجانب الإثيوبي في أسلوب المماطلة ، ودون تحقيق مصر لأي نتائج ملموسة خاصة في ضوء القمة الأخيرة بين الزعماء الثلاث بأديس أبابا في آخر يناير الماضي .
  • وجاء الموقف السوداني بهذا الشأن ليتماشى مع حالة التكامل الاستراتيجي مع إثيوبيا وكالعادة على حساب مصر ، وأعلنت الخارجية السودانية توافقها على تأجيل الاجتماع الثلاثي استجابة للطلب الإثيوبي بهذا الشأن تحت مزاعم التطورات السياسية المتعلقة باستقالة ” ديسالين ” ، والترتيبات الجارية لتعيين خلفاً له ، كما أكدت السودان في نفس السياق أنها تساند ( بكل صلابة ) إثيوبيا بما يحفظ شعبها .

العلاقات مع نظام ” البشير ” بالسودان ( المرتبط أيديولوجياً بتنظيم الإخوان )

  • رغم مواصلة الدولة المصرية والرئيس السيسي عمليات ” احتواء النظام السوداني ” للنظر بصورة أكبر ومستقبلية لأهمية تعزيز العلاقات المشتركة في ظل التحديات التي تواجهها البلدان والمنطقة خاصة مواجهة التنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة ، إلا أن القيادة السودانية برئاسة ” البشير ” تتعمد بين الحين والآخر اتخاذ مواقف وإطلاق تصريحات غير مسئولة فيما يتعلق بالقضايا المؤثرة على الأمن القومي المصري ، والاستمرار في : ( تسويق مزاعم سودانية حلايب – الحديث وبشكل واضح عن فوائد سد النهضة للخرطوم على حساب الشواغل المصرية – تسويق مزاعم بدعم مصر للمعارضة المسلحة في السودان وإثيوبيا لإسقاط الأنظمة الحاكمة هناك ) ، الأمر الذي يعكس طبيعة التوجه العدائي الحالي للنظام السوداني – الموالي لتنظيم الإخوان الإرهابي أيديولوجياً وفكرياً – تجاه الدولة المصرية ارتباطاً بفشل جماعة الإخوان في السيطرة على مقدرات مصر ، وسقوطها في ثورة (30) يونيو  2013 .
  • كما يحاول البشير البحث عن مصالحه خارج العلاقات التقليدية ” العربية العربية ” ، واستثمار علاقاته بالاتجاه للمِحور ” القطريّ التركيّ ” المعادي للدولة المصرية ، وكذلك للأمن القومي العربي ، بهدف الحصول على الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري في ضوء التحديات الاقتصادية والأمنية التي يواجهها في الداخل ، حيث سعت السودان إلى أن تغير خارطة تحالفاتها الإقليمية من التحالف أو العلاقات مع مصر والقوى العربية الكبرى مثل السعودية والإمارات إلى التحالف مع تركيا وقطر وإثيوبيا .
  • وكعادته منذ توليه المسئولية : عمل الرئيس ” السيسي ” خلال القمة الأفريقية نهاية يناير الماضي على معالجة التوتر في هذه العلاقات ، والتقى البشير على هامش القمة مؤكداً خصوصية وقوة العلاقات مع السودان والروابط التاريخية التي تجمع بين البلدين ، مشدداً كذلك على مواصلة جهود تعزيز التعاون ، خاصة في ضوء التحديات المشتركة التي يفرضها الوضع الإقليمي الراهن ، ورغم ذلك إلا أن السودان لم تقم حتى الآن – فبراير 2018 – بالتراجع عن خطوتها الغير مبررة بسحب سفيرها لدى القاهرة يوم (4) يناير الماضي ، أي أكثر من شهر تقريباً ، شهدت العلاقات فيه اختراقاً وتقدماً بين البلدين أفرزت إضافة للقاء الرئيسين بأديس يناير الماضي ، عقد اجتماع لوزراء خارجية ورئيس جهاز المخابرات في البلدين يوم (8) فبراير الجاري ، كما لا زال الخرطوم يستضيف بعض قيادات وعناصر الإخوان على أراضيه رغم توارد أنباء غير مؤكدة حتى الآن عن سعي الخرطوم لإبعاد الإخوان المصريين عن أراضيه .

خطورة الموقف :

رغم توجه السودان باستمرار للتصعيد ضد القاهرة ، إلا أن التّقارب المِصري السوداني هو الخَيار الأفضل الذي يجب تَعزيزه ، تضافر الجهود لتحقيقه على الوجه الأكمل ، حيث إن استمرار التوتر مع الخرطوم رغم توجهاتها ” العدائية في كثير من الأوقات ” يُؤزم العلاقات مستقبلاً ، ويدفع بالسودان لمزيد من التقارب مع تركيا وقطر ، والتي يُمكن تَجنّبها إذا ما تواصلت محاولات امتصاص التصعيد ، وتفويت الفرصة على المتربصين حتى وإن كان الجانب السوداني لا يدرك خطورة ذلك ، حيث يشكل السودان بالنسبة لمصر أهمية خاصة‏ فيما يتعلق بمياه النيل ، كما أن أهمية السودان لا يمكن اختزالها في قضية المياه فقط ، حيث إن السودان له أهمية كبيرة بالنسبة للأمن القومي ( العمق الاستراتيجي الجنوبي لمصر )، وما يعانيه السودان من صراعات وأزمات سيؤثر بالتبعية سلباً على الأمن القومي المصري.

زر الذهاب إلى الأعلى