مقال للكاتب ” عبد اللطيف المناوي ” تحت عنوان الإصلاحي الاستثنائي

143
عبد اللطيف المناوى
عبد اللطيف المناوى

لا أذكر تحديدًا متى كانت المرة الأولى التى التقيت فيها الأمير طلال بن عبدالعزيز، ولكن ذلك كان فى مطلع الألفية الثالثة، وكان يزور مصر كما اعتاد أن يفعل دوماً. كان لقاءً تم ترتيبه له مع عدد من الصحفيين، وكنت بالصدفة مدعواً إلى هذا اللقاء. كانت المرة الأولى التى ألتقى فيها من اعتبره كثيرون نموذجاً للأمير الإصلاحى. دار النقاش حول أمور عدة، لاحظت أنه بعد أن يطرح رؤيته يصمت، وينظر إلى الحضور، يستحضر جدلاً حول ما يطرح. اندفعت فى نقاش اختلفت فيه حول بعض ما طرح، والتقط هو الخيط متجاهلًا عدم رضا البعض عن فكرة الاختلاف مع الأمير. يبدو أنه كان قد تعب من ذلك الاتفاق الدائم مع ما يطرح، فدخلنا جدلاً أظنه كان حول تقييم تجربة جمال عبدالناصر، ومن وقتها بدأت علاقة حملت فى طياتها الكثير من التقدير المتبادل، وحملت من ناحيتى تقديراً خاصاً وإعلاء لقيمة الرجل الذى أتيح لى بعدها أن أعرف حدود هذه القيمة.

من خلال ذلك اللقاء وما بعده عرفت بأنشطته المتعددة فى المجالات الإنمائية، وكان على رأسها مشروعه الخاص بأطفال الشوارع ومنظمات المجتمع المدنى والجامعة الأهلية. وطلب منى وقتها أن أكون مشاركاً فى بعض اللجان والأنشطة، وحرصت على ذلك بقدر الإمكان، متطوعاً، لأشارك بقليل جداً فى كثير كان يقدمه هذا الرجل النادر.

ظل التواصل دائماً حتى لو كان على فترات متباعدة، وحرص خلال أوقات الأزمات أن يتواصل ليطمئن. وحرص فى كل زيارة له إلى مصر، يسمح فيها وقته أن نلتقى، أن نفعل ذلك. ولن أنسى ذلك اللقاء الأخير فى أحد احتفالات تخرج الجامعة، التى كان فخوراً معتزاً بها، أن لمحنى فى القاعة وهو على المنصة، وأشار لى مؤكداً على أن نلتقى. كان آخر لقاء، وكان بعد بداية التغييرات الكثيرة بعد وفاة الملك عبدالله، لم يكن قلقاً- كما قال لى- على السعودية كدولة، لكنه كان قلقاً على مستقبل أسرة آل سعود.

كان الأمير طلال دائماً رمزاً مهماً للإصلاح، وكان أيضاً صوتاً قوياً فيما يعتقد أنه الحق والصواب. صحيح أنه توقف فى مرحلة ما عن الإدلاء العلنى عن مواقفه السياسية التى تنتقد بعض السياسات والمواقف، إلا أن ذلك لم يكن حائلاً دون تعبيره عن مواقفه بأشكال أخرى.

ويعد الأمير طلال حالة استثنائية فى الأسرة الحاكمة السعودية؛ نظراً إلى مواقفه التى ميَّزته عن إخوته من أبناء الملك عبدالعزيز آل سعود، وعُرف عنه نضاله من أجل تمكين المرأة من حقوقها كاملة، ومطالبته بإقامة ملكية دستورية يكون فيها فصل بين السلطات. ويقول عنه من يعرفونه إنه اعتبر أن أبناءه من أهم إنجازاته المهمة فى الحياة.

رحم الله رجلاً ترك وراءه علماً وخيراً وعنايةً لبشر من بعده.