أقلام حرة

مقال للكاتب ” عبد المنعم سعيد ” بعنوان ( شهادة الأستاذ صلاح منتصر )

ليس من السهل أن تستمتع بكتاب تعرف تقريبا كل ما فيه، ولكن عندما يكون الكتاب حول عصر بأكمله جرى تركيزه فى ١٤٢ صفحة فإن ما تواجهه هو «الخلاصة» التى فى حالتنا تتحول إلى «رصاصة» تأتى بين العينين وتجعل جيلا بأكمله يواجه حقيقة بشعة. «شهادتى على عصر عبدالناصر.. سنوات الانتصار والانكسار» هو عين صحفى تابع ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وبطلها جمال عبدالناصر. الكتاب يعبر عن جيل كامل عاش الثورة وما دفعته فى عروق الأمة من دماء جديدة وطموحات كبرى، حتى إنه أعطاها شهادة بالغفران عندما ذهبت إلى وحدة مع سوريا لم يستعد لها أحد، وعندما ذهبت إلى حرب فى اليمن كانت خاسرة من البداية حتى النهاية، وعندما اتضح أن كل المشروعات «الاشتراكية» كانت محض سراب. لحظة اليقظة جاءت ساعة الهزيمة فى يونيو عندما تراكمت كل الذنوب والمعاصى لكى تظهر كل ما خفى من كذب، كان على أستاذنا صلاح منتصر نفسه أن يشاهده رأى العين فى صالة التحرير بالأهرام الغراء عندما كانت حجرة وكالات الأنباء مغلقة على المحررين، وعندما كان رئيس التحرير يطلب رفع عدد الطائرات الإسرائيلية التى دمرت إلى ١١٥ طائرة حتى قبل أن تسقط لا فى الحقيقة ولا فى الخيال. كان الأمر كله أكذوبة كبيرة حتى إن عبدالناصر نفسه بدأ يعرف أن الخوف السائد فى الدولة قد تغلغل داخل النظام نفسه حتى لم يعد أقرب الأقرباء من «الزعيم» يستطيع أن يتكلم.

إذا كان «عودة الوعى» يمثل تجربة الأستاذ توفيق الحكيم وجيله ممن عاش عالم ما قبل ثورة يوليو، فإن تجربة الأستاذ صلاح منتصر فيها ذنب من اشترك دون وعى منه فى إثم لم يدرك فداحته إلا مؤخرا وبعد «نكسة» كبيرة لا تزال آثارها مستمرة. «حصاد ثورة ناصر» يمثل الدروس والعبر التى عاشتها مصر جاءت فى الفصل الأخير للكتاب الهام من أول العقدة السورية التى كانت وراء الوحدة المغدورة، وحرب اليمن الكارثية، وحتى الذهاب إلى حرب يونيو استنادا إلى معلومات مغلوطة عن حشود إسرائيلية على الجبهة السورية، وحتى سلسلة أخطاء الداخل من الحل الاشتراكى إلى تفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة إلى تفتيت الملكية الزراعية إلى أزمة المساكن ـ وفى الحقيقة الأزمة فى كل شىء آخرـ إلى أزمة الديمقراطية والحريات العامة، حتى نصل إلى أزمة فى القوات المسلحة ذاتها. ولكن أمانة العرض لا تبخس عبدالناصر حقه فى اليقظة المتأخرة التى جعلته يصارح أقرانه بدولة الخوف لتى عقدت ألسنة الرفاق، ودفعت بالأقل قدرة وموهبة إلى مكانة القيادة، فكان التصحيح الذى بدأ المقاومة وحرب الاستنزاف، وحتى الحديث عن فشل تجربة الحزب الواحد.

هل كان التاريخ المصرى سوف يتغير إذا ما استمر الزعيم فى الحكم، لا أحد يعرف بالطبع فللأسف فإن أحدا لا يملك تقديم أكثر من طبعة لمسيرة الزمن مرة كما حدثت بوفاة عبدالناصر، ومرة أخرى إذا ما كانت هناك معجزة وبقى فى الحكم. ما يهم مصر الراهنة أنها نظرت للرجل كما لم يحدث لأحد فى تاريخها المعاصر اختلافا واتفاقا؛ وبقى له فى نفوس المصريين مكانة حتى إن وداعهم له لا يوجد ما يماثله حتى وداع سعد زغلول. المعضلة الكبرى فى الحقائق الكبرى التى استخلصها الأستاذ والصديق صلاح منتصر فى شهادته وتجربته أنها لا تزال باقية بأشكال مختلفة. محاولة الرئيس أنور السادات للخروج من العباءة الناصرية بعد نجاحها فى تحرير الأرض المحتلة وإزالة آثار العدوان انتهت باغتياله؛ والرئيس مبارك عاد مرة أخرى إلى الحالة الناصرية خلال الثمانينيات من القرن الماضى وعندما بدأ إصلاحات حقيقية للخروج منها فى العقد الأخير من حكمة فى القرن الحالى انتهى إلأمر إلى ثورة سلمت البلاد إلى الإخوان. خمسة عقود مرت على وفاة «ناصر» تغير فيها العالم والدنيا والتكنولوجيا والنظام العالمى وسقطت إمبراطوريات وصعدت أمم جديدة كلها تعلمت من ماضيها، أما فى حالتنا الراهنة فإن المطاردة مستمرة من أشباح إما أربعة عشر قرنا مضت أو ستة عقود ذهبت؛ والمؤكد أن محاولة الخروج من ذلك كله مستمرة، والكتاب يعطينا الهداية إلى ما لا يجب أن يحدث مرة أخرى!.

زر الذهاب إلى الأعلى